أبي نعيم الأصبهاني

338

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

حكمة حكمائهم ، بل كان هو لسانهم الذي به ينطقون ، وبصرهم الذي به يبصرون ، وأسماعهم التي بها يسمعون ، وأيديهم التي بها يبطشون ، وقلوبهم التي بها يفكرون ، وبه في جميع أوصافهم يتصرفون . بائن عن الحلول في ذواتهم وأبدأ الأشياء فيما بينه وبينهم . قهر كل موجود ، وغمر كل محدود ، وأفنى كل معهود . ظهر لأهل صفوته فلم يعترضهم الشك في ظهوره ، وحققهم به فلم يطلبوا الادراك في تحصيله ، ألبس حقائقهم لبسة البقاء ، وأشهدهم نفسه بعد الفناء . فلم يجعل للعلم إلى كيفيته سبيلا ، ولا إلى نعت ذلك تمثيلا ، بل جعل في الأصول وحكم العقول على صحة ذلك علما ودليلا ، ليهديه الحق إلى ذي العقل الأصيل ، والسالك في الوجه الجميل ، وذلك قول السيد الجليل في ذكره الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقوله : ( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ) ( وقوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) فقال ابن عباس - وهو من المختصين بالحكمة في التنزيل - وأسماء بنت أبي بكر : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه . وكذلك رواه أنس وغيره . وأقول في ذلك : لنعت لحاظ العين إن كان لحظها * إلى وصفها حقا يليق ويرجع وأثبت لحظ العين منك بلبسة * إلهية يعنى بها الطبع أجمع فأشهدنا مالا يحد ظهوره * وليس له علم به اللفظ يصدع فلم يعترضها الشك فيما تحققت * ولم يبق منها ما يشك ويجزع كذا من بجمع الحق كان ظهوره * يخلصه من طبعه ثم يجمع . * أخبرنا عبد الواحد بن بكر قال حدثني أحمد بن سعيد قال سمعت أبا عبد اللّه القرشي وسئل عن البكاء الذي يعترى العبد من أي وجه يعتريه ؟ فقال : الباكي في بكائه مستريح إلى لقائه ، إلا أنه منقطع راجع عما كان بينه وبينه ، فدخل عليه استراحة وشفاء ثم أنشأ يقول : بكيت بعين ليس تهدى دموعها * وأسعدها قلب حزين متيم فنوديت كم تبكى فقلت لأننى * فقدت أوانا كنت فيه أكلم